تخطي للذهاب إلى المحتوى

"من فكرة النقابة المهنية الى نموذج ملكية الإنتاج التشاركية"

كيف وُلدت الفكرة، ولماذا كان التحوّل ضرورة لا انقلاباً


كيف وُلدت الفكرة، ولماذا كان التحوّل ضرورة لا انقلاباً


لم تبدأ هذه الشركة كمشروع ربحي تقليدي، ولا كفكرة استثمارية هدفها تعظيم العائد، بل  
وُلدت من سياق أعمق وأقدم

مع التحولات السياسية والأمنية في الأردن عام 2014 والتي بدأت مؤشرات نكساتها في
 مجال الحريات العامة وجميع مكتسبات آذار 2011، صرنا متأكدين بأن الدولة لا ترغب بتغيير نهجها الذي دام لأكثر من 50 عاماً بمنع التنظيمات النقابية المستقلة، مما جعل مشروعنا الذي كان يهدف الى إنشاء نقابة مهنية عامة لفنيي الأسنان، يتحول الى مشروع شركة تجمع الفنيين وتنظم سوقهم، وبدل أن تُدفن الفكرة، أوجدنا البديل القانوني الذي يحفظ .جوهرها

من هنا ظهرت الشركة، لا كغاية بحد ذاتها، بل كأداة ممكنة لفكرة غير ممكنة. وُلدت الشركة بوصفها نقطة تجمع إنتاجية تشبه النقابة في وظيفتها لا في اسمها فقط؛ كياناً يخدم أصحاب مختبرات الأسنان داخل السوق، ويتوسع طردياً مع عدد المنضمّين وقيمتهم، لهذا كان التوسع جزءاً أصيلاً بالفكرة، ولم يكن العدد يوماً خطراً، بل عنصر قوة.

عند التأسيس الرسمي عام 2017، تشكّلت كشركة توصية بسيطة تضم شركاء متضامنين وشركاء موصين. كان التصور أن يتولى الشركاء المتضامنون حماية الفكرة وقيادتها، بينما يشكّل الشركاء الموصون أرضية توسع طبيعية غير محدودة العدد. وبالفعل، خلال أقل عام واحد، وصل عدد الشركاء إلى ستة عشر شريكاً.

لكن هنا ظهر أول تصادم جوهري: توقّف التوسع ليس لأن السوق لا يحتمل، بل لأن بعض الشركاء بدأوا ينظرون إلى الشركة بعين رأسمالية تقليدية ترى أن تخفيض عدد الشركاء يزيد من الربح.

وهذا كان أول انحراف عن الفكرة الأصلية، وأول إشارة إلى أن الشراكة لم تُفهم بوصفها قيمة مضافة، بل اقتطاعاً من العائد.


مع بدء العمل الفعلي على أرض الواقع، برز تصادم أعمق: "تضارب المصالح"، فمعظم الشركاء كانوا مالكين لمختبرات خاصة، وهذه المختبرات كانت مشاريعهم الأصل ومصدر دخلهم الأساسي، بينما عُوملت الشركة كمصدر ثانوي.

وبطبيعة الحال إذا تعارضت مصلحة الشركة مع مصلحة المختبر الخاص، كانت تُقدَّم المصلحة الأولى.

ورغم أن هذا السلوك مفهوم تماماً، لكنه كان غير متوافق مع أساس الفكرة، لأن فجوة تعارض المصالح سوف تزاد لاحقاً لتخرج عن مصلحة السلعة والسعر وحسب، وتتحول الى عائق في تطوير منهجية التسويق والبيع واستهداف العملاء الذين كانت مختبراتهم تعتمد عليهم.

ثم زادت هذه الفجوة وتعمقت أكثر، لكن هذه المرة لم تكن تتعلق بالنوايا والمصالح، بل بطبيعة الخبرة. فالشركاء المتضامنون ورغم مهنيتهم العالية واحترافهم في مجالهم كفنيّي أسنان، لكن لم تكن لديهم الخبرة اللازمة -بحكم عدم الممارسة- في عالم المبيعات، والتسويق، وبناء وإدارة فرق بيع، وهي المنهجية التي أصبحت العمود الفقري للشركة. في المقابل، كانت الإدارة التنفيذية لديها خبرة مبيعات بدأت منذ عام 2010، وتراكمت لأكثر من خمسة عشر عاماً، شملت العمل الميداني، وإدارة فرق، ومن ثم إدارة شركة بكامل اقسامها. هذه الخبرة جعلت الإدارة التنفيذية تقرأ السوق بطريقة اشمل، والخيارات الإدارية، كانت مختلفة جذرياً عما كان يُطرح في قاعة الاجتماعات. لم يكن الخلاف رأياً مقابل رأي، بل خبرة تشغيلية عميقة مقابل اجتهاد غير مكتمل الأدوات.


وعندما مُنحت الإدارة التنفيذية لاحقاً حرية اتخاذ القرار، لم يكن ذلك إقصاءً لأحد، بل ضرورة تشغيلية ولإنهاء أزمات حقيقية.

كان على رأسها أزمة السيولة عام 2023.

سبب الأزمة هو قرار توزيع أرباح مرتفعة في فترة كانت الشركة لا تزال تسدد ديونها، وتوسّع فريقها، وتكبّر مخزونها، وتزيد ذممها داخل السوق.

هذا القرار، الناتج عن ضغط الشركاء، كشف هشاشة العلاقة بين الملكية والمسؤولية.

إن تحييد الشركاء المتضامنين عن مركز القرار، سوف يجعلهم بشكل طبيعي غير مستعدين لتحمّل تبعات هذه القرارات، خصوصاً بما يتعلق بالضمان المالي والمسؤولية القانونية.


ومن هنا تكشفت نتيجة لا يمكن تجاهلها: بأن الشريك المتضامن، إذا لم يكن حاضراً أو قادراً على الضمان وقت المخاطرة، فهو شريك موصي بحكم الواقع، مهما كان توصيفه القانوني.


وفي إحدى مراحل الصدام بين عقليتين مختلفتين في الإدارة والتسويق، وانتقال الملكيات، والتي كانت في أوجها نهاية الربع الأخير من عام 2023، انتقل صدى هذا الصراع الى داخل السوق، ثم انعكست حالة عدم الاستقرار هذه على الحلقة الأضعف: الموظفين.

بدأت المخاوف تظهر، وبدأ بعضهم يبحث عن بدائل. وهنا ظهرت مفارقة لايمكن تجاهلها: بعض الموظفين كان حرصهم على الشركة أكبر من حرص بعض من يملكونها، لقد ظهرت في هذا الصراع عقلية تسعى لحماية رأس المال أكثر مما تحمي الإنسان المنتج للقيمة.


كل ما جرى بعد ذلك لم يكن انقلاباً على الشركاء، ولا نكراناً لجهد حقيقي بُذل في سنوات التأسيس الأولى، بل كان لحظة وعي حاسمة.

"حيث أن الأفكار لا تُحفظ بالوفاء للأشكال، بل بالوفاء لجوهرها"


التمسك بالبنية القديمة بعد أن تغيّرت المصالح وتباينت الأولويات لم يكن وفاءً، بل تجميداً لفكرة عند لحظة لم تعد تعبّر عنها. التحول إلى نموذج ملكية الإنتاج التشاركية، لم يكن خيانة للماضي، بل تحملاً لمسؤوليته حتى النهاية.

الفرق الوحيد أن دائرة الفكرة قد اتسعت. بعد أن كانت تُعنى بفنيّي الأسنان كمهنة، أصبحت تُعنى بالإنسان العامل كقيمة، لأن التجربة أثبتت أن الكيان لا يُبنى بمن أسسوه فقط، بل بمن ينهضون به كل يوم.

من يصنع القيمة فعلياً هو الأجدر بحماية كيانه واستمراريته. ولهذا، فإن تحويل الموظف من أداة تشغيل إلى شريك محتمل لم يكن خطوة عاطفية، بل قراراً عقلانياً وأخلاقياً في آنٍ واحد.


ليس كل تغيير خيانة، وليس كل ثبات وفاء. أحياناً يكون التغيير هو الشكل الوحيد الصادق لحماية ما بدأناه.

Jo. Dental Labs Union Co.

عندما تأسست لم تكن مجرد شركة تدخل السوق بحثاً عن حصة، بل كانت محاولة واعية لإعادة تشكيل السوق من الداخل.

الفكرة الأصلية كانت واضحة وصريحة: أن نجمع مختبرات الأسنان في كيان واحد، لا كتحالف مصالح ضيّق، بل كاتحاد يخفف من تشتت الجهود، ويعيد التوازن بين العمل الفردي والعمل الجماعي، ويخلق مساحة إنتاج أكثر عدلاً واستدامة.

لكن ما لم يكن واضحاً في البدايات هو أن السوق لا يستقبل دائماً الأفكار الجامعة بوصفها حلولاً، بل يقرأها أحياناً كتهديد.


هنا يجدر الذكر أنه ومنذ اللحظة الأولى لمحاولة “جمع السوق داخلنا ومعنا”، بدأت تظهر مقاومة خفية، ثم معلنة، لم تكن هذه المقاومة مبنية على تجربة فعلية معنا، بل على تصوّر مسبق: أن ما يحدث ليس اتحاداً، بل “شِلّة” أو مجموعة مغلقة تسعى إلى مصالح ضيقة، وأن الشراكة ستتحول إلى أداة تمييز، تُقسّم السوق إلى شركاء مفضّلين وعملاء من درجة ثانية.

هذه القراءة — رغم عدم دقتها — كشفت حقيقة أعمق:

أي محاولة لكسر فردانية التملك والسلطة، وهذا ما قمنا بتسميته بـ"رأسمالية الكادحين"، تُواجَه غالباً بعقلية الشك لا بعقلية الاختبار.


السوق لا يُقيّم النوايا، بل يتفاعل مع المخاوف

:وهنا بدأ يظهر قانون لا يُكتب في العقود، لكنه يحكم الواقع

.الأفكار التي تتقدّم أسرع من وعي البيئة التي وُلدت فيها، إمّا أن تتكيّف… أو تُقصى


لم يكن الاستمرار بشكل “اتحاد مهني” ممكناً في بيئة تقرأ كل "تجمع" على أنه تهديد، وكل تنظيم على أنه محاولة سيطرة. لذلك، كان لا بد من إعادة تشكيل الفكرة دون قتل جوهرها: والانتقال من محاولة احتواء السوق، إلى بناء كيان قادر على البقاء داخله، وإثبات نفسه بالفعل لا بالشعار.

بهذا المعنى، لم تتغيّر الفكرة لأنها كانت خاطئة، بل لأنها كانت أكبر من قدرتها على العيش في تلك اللحظة التاريخية من السوق.


والتحوّل هنا ليس هزيمة، بل نضج.

هو اعتراف بأن البقاء ليس للأقوى ولا للأقدم، بل للأكثر عدلاً وقدرة على قراءة الواقع دون أن يفقد نفسه داخله.


التحوّل الذي طرأ على الشركة لم يكن تراجعاً عن فكرة الاتحاد، بل كان استجابة مباشرة لقانون تطوّر البقاء.

فكما أن الكائنات الحية لا تبقى على قيد الحياة بالشكل الذي وُلدت به، بل بالشكل الذي يتكيّف مع محيطه، كذلك الأفكار الاقتصادية. الفكرة التي ترفض التحوّل تموت مبدئياً، حتى لو كانت أخلاقية أو عادلة.

"من فكرة النقابة المهنية الى نموذج ملكية الإنتاج التشاركية"
Jo. Dental Labs Union Co., Ayman AlLama' 25 مارس 2026
شارك هذا المنشور
علامات التصنيف
الأرشيف
مقارنة بين رأسمالية الكادحين وبين ملكية الانتاج التشاركية